الخميس 7 ذو القعدة 1439 / 19 يوليو 2018
الوقف.. حياة لا تنقطع

الوقف.. حياة لا تنقطع
د.عيسى القدومي
 
من نعم الله تعالى على عباده: أن جعل أبواب الخير عديدة، ومنها ما يجري فيه الثواب إلى ما بعد الممات، فتزداد الحسنات في السجلات؛ لأن ثوابها لا ينقطع، بل هو دائم متصل النفع.
 
جاء بالسند عن أبي هريرة رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «إذا مات الإنسان انقطع عنه عمله إلا من ثلاثةٍ: إلا من صدقة جارية، أو علم ينتفع به، أو ولد صالح يدعو له»([1]).
 
    إن عمل الميت ينقطع بموته، وينقطع تجدد الثواب له إلا في هذه الأشياء الثلاثة؛ لكونه كان سببها؛ فإن الولد من كسبه، وكذلك العلم الذي خلفه من تعليم أو تصنيف، وكذلك الصدقة الجارية، وهي: الوقف([2]).
 
فالإنسان إذا مات ينقطع عمله الذي يجري عليه بعد الموت، والعمل إنما يكون في الحياة إلا من هذه الثلاث التي يندرج تحتها كثير من أبواب الخير؛ لأنه هو السبب فيها، وثوابها يدوم للإنسان بعد موته لدوام أثرها.
 
أولها: (صدقة جارية): وهي الخير المستمر؛ كبناء المساجد، أو أرضٍ زراعية يتصدق بما يحصل منها على الفقراء، فإن الفقراء ما داموا ينتفعون بهذا العطاء أو ينتفعون بثمرة هذا البستان فإنه يكتب له، أو عمارة توقف تؤجر ويتصدق بأجرتها، وغيرها من الأوقاف.
 
فتلك صدقة جارية يجري عليه أجرها بعد وفاته، ما دام الناس ينتفعون بها.
وحمل العلماء الصدقة الجارية على الوقف([3]).
 
ثانيها: (أو علم ينتفع به): إما كتب علمية صنفها، وانتفع بها الناس، أو اشتراها، ووقفها وانتفع بها الناس، أو نشر العلم وتعليمه، وكل من عَلم الناس العلم النافع، وانتفعوا بعلمه بعد موته فإن له أجرهم من غير أن ينقص من أجورهم شيء؛ لأن الدال على الخير كفاعله.
وهذا دليل على بركة العلم وفائدته في الدنيا والآخرة، فكم من عالم مات من مئات السنين، وعلمه باق ينتفع بما كتبه وصنفه، ويتداولها الأجيال تلو الأجيال من بعده، وكلما ذكره المسلمون دعوا له وترحموا عليه، وكم أنقذ الله بعالم مصلح أجيالاً من الناس من الضلالة، وناله مثل أجور من تبعه إلى يوم القيامة.
قال العلماء: والكتب أعظمها أثراً؛ لطول بقائها.
ثالثها: (أو ولد صالح يدعو له) والولد الصالح من ذكر وأنثى، وولد الصلب وولد الولد يجري نفعهم لآبائهم بدعواتهم الصالحة المستجابة لآبائهم، فكل من كان له ولد أحسن تربيته وتوجيهه فكان صالحاً ينفع أباه في حياته ببره، وبعد مماته بدعائه له.
وهذا من فضل الله تعالى على عباده أن جعل جريان الحسنات واستمرارها بعد الممات ليس مقصوراً على أهل الأموال والعقار الذين أوقفوا من ممتلكاتهم، بل إن ذلك الأجر جعله الله عز وجل لمن اجتهد في العلم تأليفاً وتعليماً، وكذلك لمن ترك ولداً صالحاً يدعو لوالديه.
والأمور المذكورة في هذا الحديث هي مضمون قوله تعالى: (إِنَّا نَحْنُ نُحْيِي الْمَوْتَىٰ وَنَكْتُبُ مَا قَدَّمُوا وَآثَارَهُمْ ۚ وَكُلَّ شَيْءٍ أَحْصَيْنَاهُ فِي إِمَامٍ مُّبِينٍ)[يس:12].
فـ (مَا قَدَّمُوا) هو: ما باشروا فعله في حياتهم من الأعمال الحسنة والسيئة.
و(آثَارَهُمْ): ما يترتب على أعمالهم بعد موتهم؛ من خير أو شر([4]).
 
والحديث دليل على مشروعية الوقف النافع والحث عليه، وأنه من أفضل الأعمال التي يقدمها الإنسان لنفسه في الآخرة؛ فهو من الصدقة الجارية الباقية بعد الموت.
 قال النووي رحمه الله في شرحه على مسلم: "فيه دليل لصحة أصل الوقف، وعظيم ثوابه، وبيان فضيلة العلم"([5]).
 
وما يصل إلى العبد من آثار عمله بعد موته ثلاثة أشياء([6]):
الأول: أمور عملها غيره بعد موته؛ بسببه وبدعوته وتوجيهه إليها قبل موته.
الثاني: أمور انتفع بها الغير؛ من مشاريع نافعة أقامها الميت قبل موته أو أوقاف أوقفها في حياته؛ فصارت تغل بعد موته.
الثالث: أمور عملها الحي وأهداها إلى الميت؛ من دعاء وصدقة، وغير ذلك من أعمال البر.

قال صاحب «عون المعبود» رحمه الله: "وورد في أحاديث أخرى زيادة على الثلاثة، تتبعها الحافظ السيوطي ونظمها في قوله:
إذا مات ابن آدم ليس يجري ... عليه من فعال غير عشــــــــــر
علوم بثها ودعاء نجــــــــل ... وغرس النخل والصدقات تجري
وراثة مصحف ورباط ثغــر ... وحفر البئر أو إجراء نهـــــــــر
وبيت للغـــــريب بناه يأوي ... إلــيه أو بناه محـــــل ذكـــــــــر
وتعلـيم لـقــــرآن كــــــريم ... فخـــذها من أحـــاديث بحصــــر
 

   
فالصدقة الجارية عمل قد أتاحه الله عز وجل بفضله على عباده؛ الأغنياء منهم، والعلماء، وعامة الناس، فكم من مسكين لا يملك مالاً، ولا علماً، ولكنه ترك ولداً صالح يدعو له، وبذلك يكون له الأجر المستمر بعد مماته.
 
ومن فوائد الحديث أن العمل الذي يجري للعبد فيه الأجر بعد مماته هو: العلم الذي ينتفع به، أما العلم الذي لا نفع فيه، أو العلم الذي فيه مضرة، والعلوم المفسدة للدين والأخلاق؛ فلا تدخل في الحديث.
 
فلا أحسن ولا أنفع للعامة من أن يكون شيء حبساً للفقراء وابن السبيل يصرف عليهم منافعه، ويبقى أصله "([7]).
وإذا كـان المسلم حريصاً على طاعة الله ورسوله صلى الله عليه وسلم ويرجو الثواب في الدنيا والآخرة؛ فإن الله عز وجل فتح أمامه أبواب الخير العديدة، ومنها: الصدقة الجارية والوقف؛ التي يستمر بها الأجر إلى ما شاء الله ، وتزيد بها حسناته بعد وفاته وانقطاع عمله.
فالطريق لكل مسلم مفتوح في الصدقة الجارية والوقف لله عز وجل.
 
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
  (1)      أخرجه مسلم في «صحيحه»، (كتاب: الوصية، باب: إذا مات الإنسان انقطع عمله إلا من ثلاث)، برقم: (1631).
([2])        انظر: «المنهاج في شرح صحيح مسلم»، (كتاب: الوصية، باب: ما يلحق الإنسان من
= الثواب بعد وفاته)، (ص 1038).
([3])        انظر: «تحفة المحتاج في شرح المنهاج» (6/235).
([4])        (فاستبقوا الخيرات)، الشيخ صالح بن فوزان الفوزان -حفظه الله-، مطوية - دار القاسم.
([5])        انظر: «المنهاج في شرح صحيح مسلم»، (كتاب: الوصية، باب: ما يلحق الإنسان من الثواب بعد وفاته)، (ص 1083).
([6])        (فاستبقوا الخيرات)، الشيخ صالح بن فوزان الفوزان -حفظه الله-، مطوية - دار القاسم.
([7])        «حجة الله البالغة» (2/116).
20,أبريل 2016 الموافق 13,رجب 1437 756 مشاهدة

اترك تعليقك

التعليقات الواردة من القراء تعبر عن آرائهم فقط، دون تحمل أي مسؤولية من الموقع