الأثنين 11 ربيع الأول 1440 / 19 نوفمبر 2018
الكنز المنسي

بسم الله ، والحمد لله ، والصلاة والسلام على رسول الله صلى الله عليه وسلم ، وبعد:
فإن قيمة كل شيءٍ في ثمرته ونفعه، والأشياء لا تتفاضل بأشكالها وأعيانها، وإنما بآثارها المترتبة عليها خيرًا وشرًّا، وأنفع الأشياء وأجلّها عائدة ما عاد على العبد بالنفع والثواب في الآخرة، فذلك في الحقيقة هو الكنز، وهذا على التحقيق هو الفوز العظيم، وما سواه من مفاخرات الدنيا ومفاتنها ومغرياتها فهو متاع زائل، وعرَضٌ آيل، وإن ظنها أكثر الناس كنزًا!
والكنز في اللغة: ما جمع أوصافًا خمسة:
«المخبوء-النفيس-الكثير-المُدَّخر-المتنافس فيه»(
[1]).
فكل مخبوء كثير نفيس يُدَّخر ويتنافس فيه فهو كنز عند أهله، مالًا كان - وهو الأصل - أو غيره، وكلُّ مهتم بشيء شغوف به يتخذه كنزًا.

وأولى ما اتصف بهذه الأوصاف كنز الآخرة، فإن نفاسته لا تدانيه نفاسة، وكثرته لا توصف؛ إذ مانُحُه الجوادُ الشكورُ ﻷ، وهو مُدَّخر ثوابه للعبد أحوج ما يكون إليه، وأحرص ما يكون عليه، وهو الأمر الذي لم يأمر الله ﻷ بالمنافسة إلا فيه، فقال بعد ذكر ما في الجنة من كنوز لا توصف: ﴿وَفِي ذَلِكَ فَلْيَتَنَافَسِ الْمُتَنَافِسُونَ  [المطففين: ٢٦]، أي: لا ينبغي التنافس إلا فيه، والمنافسة فيما سواه عبث وإضاعة عمرٍ وجُهد.

وكنز الآخرة هو ما أعده الله ﻷ لأوليائه المؤمنين وحزبه المفلحين: من النُّزُل، والخيرات المحسوسة.
وقد سمَّى النبي صلى الله عليه وسلم كثيرًا من الأعمال الصالحة كنزًا، كما في حديث أبي موسى الأشعري رضي الله عنه: «يَا عَبْدَ الله بْنَ قَيْسٍ: أَلَا أَدُلُّكَ عَلَى كَنْزٍ مِنْ كُنُوزِ الْجَنَّةِ! فَقُلْتُ: بَلَى يَا رَسُولَ الله. قَالَ: قُلْ: لَا حَوْلَ وَلَا قُوَّةَ إِلَّا بِالله»(
[2]).
وفي حديث شداد بن أوس تقال: سَمِعْتُ رَسُولَ الله صلى الله عليه وسلم يَقُولُ: «إِذَا كَنَزَ النَّاسُ الذَّهَبَ وَالْفِضَّةَ فَاكْنِزُوا هَؤُلَاءِ الْكَلِمَاتِ:...»(
[3])، وذكر دعاءً طويلًا. فجعل الدعاء كنزًا، وأمر بكنزه وتعاهد حفظه والعناية بشأنه، كما يتعاهد التاجر الحريص الشحيح ذهبه وفضته، وسُميت كنزًا «لأن ثَوَابها مُدَّخَرٌ فِي الْجَنَّةِ وَهُوَ ثَوَابٌ نَفِيسٌ كَمَا أَنَّ الْكَنْزَ أَنْفَسُ الأَمْوَال»([4]).
وَاخْتَلَفَ الْعُلَمَاءُ فِي مَعْنَاهُ فَقِيلَ: سَمَّى هَذِهِ الْكَلِمَةَ كَنْزًا لِأَنَّهَا كَالْكَنْزِ فِي نَفَاسَتِهِ وَصِيَانَتِهِ مِنْ أَعْيُنِ النَّاسِ، أَوْ أَنَّهَا مِنْ ذَخَائِرِ الْجَنَّةِ أَوْ مِنْ مُحَصِّلَاتِ نَفَائِسِ الْجَنَّة(
[5])ِ، فهي سبب موصل إلى كنز الجنة ونفائسها، فأقيم السبب مقام المسبب.
وإن من أعظم الكنوز المُدَّخرة عند الله ﻷ الصدقة، لاسيما الجارية منها: «الوقف»، فهو كنز من جهة ثوابه وأجره ونفعه المُدَّخر المخبوء للعبد يوم القيامة.
والملاحظ أنه كنز نفيس جدًا، لكنه مَنْسِيّ عند كثير من الناس إلا من رحم الله، فقد انشغلوا عنه بكنوز الدنيا الفانية التي حلالها حساب، وحرامها عقاب، كنوز يسبقها همّ وتعب وفي أثنائها نظيره وبعد تحصيلها كذلك، فصاحبها دائمًا في همّ وشغلٍ وتعبٍ ونصبٍ وكدر، وتركوا كنزًا يُدَّخر عند ملك الملوك ـ، يجده صاحبه يوم الفاقة التي ما بعدها فاقة، والحسرة التي ما بعدها حسرة! ويجده ليكون ممن سيستظل بظل الله ﻷ يوم لا ظلَّ إلا ظلّه.
ولما علم الصحابة ي بحقيقة هذا الكنز ونفاسته، وحقارة الدنيا وما فيها ادَّخروا أموالهم وكنوزهم عند الله ﻷ، وقدَّموها بين أيديهم ليوم حاجتهم إليها، فضربوا في ذلك الميدان بأوفر السهام وأحظها، فلم يكن منهم ذو مقدرةٍ إلا وقف، واشترى الباقي بالفاني، وتاجر بالحسنات المضاعفات، وتبعهم على ذلك كل موفقٍ معان، وغفل عن ذلك وأهمله كل مخذولٍ مهان!
فأحببت - تعاونًا على البر والتقوى - تذكير نفسي وإخواني المسلمين وأخواتي المسلمات بهذا الكنز العظيم المنْسي؛ لعلَّ راقدًا يصحو، وغافلًا يتذكر، ومقصرًا يراجع حساباته قبل زَلَّة القدم، وعدم جدوى الندم، فإن مال المرء حقيقةً ما قدَّمه، وأما ما أبقاه بعده فمال وارثه، للوارث غُنْمُه وعلى المُوَرِّث غُرمه.
ألا فَهَلُمَّ يا عبد الله إلى التجارة مع الله بادِّخار هذا الكنز المنْسِيّ! سائلًا الله ﻷ أن يهدينا والمسلمين سبل الرَّشاد، وأن يقينا وإياهم طرق الزيغ والفساد، والله أعلم، وصلى الله وسلم على نبينا محمد، وعلى آله وصحبه أجمعين.

 


([1])   انظر:لسان العرب (5/401)، وتاج العروس (15/304)، ومشارق الأنوار للقاضي عياض (1/343)، والديباج للسيوطي(6/60).

([2]) رواه البخاري (6610)، ومسلم (2704).

([3]) رواه أحمد (17114)، وصححه الألباني في الصحيحة (3228).

([4])   انظر: شرح النووي على مسلم(17/26).

([5])   مرقاة المفاتيح(8/3293). 

9,مايو 2016 الموافق 2,شعبان 1437 584 مشاهدة

اترك تعليقك

التعليقات الواردة من القراء تعبر عن آرائهم فقط، دون تحمل أي مسؤولية من الموقع