الخميس 10 رمضان 1439 / 24 مايو 2018
تهنئة رمضان
الأوقاف على الحرمين في العالم .. الواقع والمشكلات

يعد واقع الأوقاف على الحرمين في العالم أحد أكبر المشكلات المعاصرة للأوقاف، وذلك لضخامة هذه الأوقاف، وقيامها بدور بارز في دعم احتياجات الحرمين والمجاورين فيهما خلال المدة التي سبقت تقسيم العالم الإسلامي إلى دويلات صغيرة، إلا أنها الآن أصبحت مجرد حكايات سجلها التاريخ عن وحدة أمة الإسلام وتكاتفها فيما مضى !
والعناية بهذه الأوقاف يفترض أن تتجاوز مجرد الحرص على دعم الاحتياج المالي للحرمين، إلى الغيرة على شعائر الله التي انتهكت ومقاصد الواقفين التي عطلت بعد الاستيلاء على تلك الأوقاف، وهذا ملمح لا ينبغي غيابه عند المشتغلين على إعادة الأمور لنصابها الشرعي.
 
إشارة مهمة إلى التاريخ ..
لا تمكن قراءة الواقع الحالي للأوقاف على الحرمين في العالم، دون التعريج الموجز على أبرز ملامح تاريخ تلك الأوقاف خلال قرون أمة الإسلام الماضية، والذي حظي الحرمان الشريفان فيها بأوقاف لا تحصى، من قبل الحكام وأهليهم ووزرائهم والأغنياء في كل زمان، وكانت غلاتها تصل إلى الحرمين والمجاورين فيهما من مصر والشام والمغرب وتركيا وغيرها، بشكل مباشرٍ، أو مع قوافل الحجيج القادمة للحرمين من البلدان([1]).
أما على مستوى التنظيم الإداري للإشراف على هذه الأوقاف، فقد خُصص ديوان مستقل في عهد المماليك لأوقاف الحرمين بمصر والقاهرة، يُشرف على ما حُبّس فيها على الحرمين والصدقات والأسرى وأنواع القرب
([2])، كما أُنشأت نظارة خاصة بأوقاف الحرمين الشريفين في الدولة العثمانية عام 995هـ، تختص بـالإشراف على أمور أوقاف الحرمين، وتحصيل وارداتها، ودفعها، إلى أن ألحقت عام 1254هـ بنظارة الأوقاف الهمايوني([3])، كما كان للأوقاف المرصدة على الحرمين في مصر منذ القرن الثالث عشر الهجري إدارة مستقلة وميزانية خاصة منفصلة عن ميزانية عموم الأوقاف في مصر استمرت إلى عام 1371هـ([4]).
ولا يمكن - حين الإشارة إلى تاريخ تلك الأوقاف - إغفال دور ما يسمى بـ(الاستعمار)، الذي تعرضت الأوقاف في أثناء سلطته إلى تدخلات كثيرة ولدت تراجعاً للأوقاف وانحساراً
([5])، وهو الذي كان سبباً رئيسياً لتغير وضع تلك الأوقاف بعده بعد أن انتهى العالم الإسلامي إلى دويلات بعد اتفاقية (سايكس بيكو).
 
واقع الأوقاف على الحرمين في العالم ..
أما في العصر الحديث، فإن واقع الأوقاف على الحرمين في العالم تمكن قراءته على مستويين، الأول: واقع تلك الأوقاف في الدول الموجودة فيها، والثاني: الأموال التي تصل من تلك الأوقاف إلى الحرمين حالياً، وذلك على ما سيأتي:
أولاً: واقع الأوقاف على الحرمين في الدول الموجودة فيها تلك الأوقاف:
كان من المعالم البارزة لنشأة الدول الحديثة المعاصرة سعيها الحثيث لتقنين كثير من الأمور المتصلة بحياة مواطنيها، والوقف الخيري بصفته أحد أهم الروافد الاقتصادية في المجتمع المسلم خلال تلك الفترة، كان مما سعت حركة التقنين لبسط سيطرة الدولة الحديثة عليه، وتقليص دوره المجتمعي المستقل لصالح مؤسسات الدولة الحديثة([6]).
وبجولة سريعة على أهم حواضر العالم الإسلامي التي كانت تُمد الحرمين الشريفين والمجاورين فيهما بغلات أوقافها لقرون امتدت إلى قبيل نشأة الدول الحديثة، يمكن الوصول إلى نتائج من أهمها:
1.   في تركيا أُلغيت الأوقاف كلياً وأصبحت ملكاً للدولة عام 1343هـ/1924م، كما أُلغيت وزارة الأوقاف، وذلك عقب إلغاء الخلافة العثمانية
([7]).
2.   وفي سوريا صدر المرسوم التشريعي رقم 128 لعام 1949م، الذي تضمن تقييد ولاية الدولة على الأوقاف الخيرية بجهة الخير التي أرادها الواقف دون التقيد بشرطه
([8]).
3.   وفي مصر قضت المادة الأولى من القانون 247 لسنة 1953م، والمعدلة بالقانون رقم 30 لسنة 1957م أن لوزير الأوقاف صرف ريع الوقف كله أو بعضه على الجهة التي يعينها هو دون التقيد بشرط الواقف
([9]).
4.   وفي تونس بتاريخ 31/5/1956م أُلغي التحبيس العام، ودُمج كل ملك له صبغة وقف عمومي في ملك الدولة، وأُسندت إدارته لمصلحة أملاكها
([10]).
ولا شك أن الإجراءات الآنفة في هذه الدول وغيرها كان لها دور بارز في منع وصول غلات الأوقاف على الحرمين في العالم، يُضاف إلى ذلك أسباب أخرى لعل من أهمها
([11]):
1.   اختفاء الحجج الوقفية، أو الاكتفاء بالإعلام والإشهار في زمان الوقف، مما يؤدي إلى اندثار الوقف مع تعاقب الأزمان.
2.   هلاك النُظار دون وجود من يخلفهم، أو فسادهم وتلاعبهم بوثائق الوقف، وسعيهم للاستيلاء عليه.
3.   تأجير الوقف تأجيراً طويل المدى بما يسمى بـ(التحكير)، وتوارث حق هذه الإجارة بين أجيال متعاقبة قد تنتهي بالاستيلاء على الوقف.
4.   تناقص غلات الأوقاف الخيرية بسبب إهمالها وعدم صيانتها حتى تنتهي إلى الخراب والاندثار.
5.   عدم وجود الصلة المكانية أو الإدارية والإشرافية بين عين الوقف والمكان الذي يُصرف فيه، وهذا جعلها إضافة إلى الأسباب المتقدمة في جميع العرض السابق خالية من المتابع المنتظر لغلاتها.

ثانياً: الأموال التي تصل من تلك الأوقاف إلى الحرمين حالياً:
يلاحظ المتتبع لما دُون حول وصول غلات الأوقاف على الحرمين أنها تتوقف في تاريخ مبكر يتزامن مع زيادة سيطرة الدول على الأوقاف الموجودة فيها، ومن أبرز ما وقفت عليه من توثيق لتلك الغلات ما يأتي([12]):
1.   استلام مندوب أغوات الحرم الشريف لغلة الأوقاف المخصصة لهم في البصرة عام 1344هـ
([13]).
2.   استلام ريع أوقاف الحرمين الشريفين عام 1345هـ من فلسطين
([14]) وتونس([15]).
3.   بلوغ إيرادات أوقاف الحرمين الشريفين في مصر لمبلغٍ يزيد على سبعة وأربعين ألف جنيه مصري عام 1345هـ
([16]).
4.   بلوغ إيرادات أوقاف الحرمين الشريفين في مصر لمبلغ يزيد على مائة ألف جنيه مصري، وذلك بحسب آخر ميزانية مستقلة لأوقاف الحرمين للسنة المالية 1951/1952م، والتي وضحت أن مساحة الأراضي الزراعية الموقوفة على الحرمين بلغت ستة آلاف ومائتين وواحد وثمانين فداناً، إضافة إلى أعيان موقوفة من المباني لا يوجد عنها بيان إحصائي
([17]).
أما الآن، وبالإفادة الشخصية التي حصلت عليها من إدارة الحج والأوقاف الإسلامية بوزارة الخارجية وهي الجهة المسؤولة حالياً عن تنسيق وصول غلات الأوقاف على الحرمين، فإنه لا يصل أي ريع لهذه الأوقاف، وهي ذات الإفادة التي حصلت عليها من وكالة وزارة الشؤون الإسلامية والأوقاف والدعوة والإرشاد لشؤون الأوقاف بصفتها المشرفة على الأوقاف الخيرية العامة ومنها الأوقاف على الحرمين، والله المستعان !
 
مشكلات الأوقاف على الحرمين في العالم ..
أصبح في واقع الحياة اليوم مسلمات لا يسع أي دولة تعيش في وسط المجتمع الدولي وترتبط بدوله أن تنفك عنه، أو تخرج عليه، ويمكن تلخيص ملامح هذا الواقع المرتبطة بالأوقاف على الحرمين في العالم فيما يأتي:
1.   أن مفهوم الدولة الحديثة كرّس الاستقلال الكامل لكل دولة بالتصرف فيما على أراضيها من موارد ومقدرات، وجرّم تدخل الدول الأخرى فيه، ما لم يكن ذلك بناءً على اتفاق بين الدولتين، وذلك وفقاً لإعلان عدم جواز التدخل بجميع أنواعه في الشؤون الداخلية للدول الصادر عن الجمعية العامة للأمم المتحدة رقم 36/103 وتاريخ 9 ديسمبر 1981م
([18])، وهذا يعني أن أوقاف المسلمين التي نشأت في قرون سابقة حين كان المسلمون في ظل دولة واحدة، واشترط واقفوها صرف ريعها على الحرمين، أصبحت الآن تحت سيادة مستقلة لعدة دول يمنحها القانون الدولي حق التصرف فيها دون تدخل من دولة أخرى إلا بناءً على اتفاق بين الدولتين.
2.   أن سلطان الإسلام الذي كان يحكم العالم من الهند إلى المغرب قد تقلص اليوم إلى نطاقٍ محدودٍ مكاناً وموضوعاً، فالدول التي تتخذ الإسلام مصدراً وحيداً لتشريعاتها تُعد على الأصابع، وغالب الدول التي يوجد فيها المسلمون كأغلبية أو أكثرية، تطبق بعض أحكام الإسلام على رعاياها المسلمين، مع انفكاك جُلِّ قواعد الحكم فيها عن أحكام الإسلام.
3.   أن مبادرة دولة من الدول التي لا تتخذ أحكام الإسلام مصدراً لتشريعاتها، بتطبيق أحكام الوقف بصفته تكليفاً شرعياً ملزماً لصاحب الولاية، وما يستتبع هذا التطبيق من التزام بشرط الواقف مثلاً، بأن يُصرف ريع وقفه الموجود حالياً في نطاق دولة ما وسلطتها، إلى الحرمين الشريفين الموجودين في نطاق المملكة العربية السعودية وسلطتها، أصبح أمراً بعيد المنال، لعدم اتفاق الدولتين على الإلزام القانوني الناشئ عن الوقف بصفته حكماً شرعياً واجب التنفيذ على كل ذي ولاية.
ولكل ما تقدم فإن غاية ما يمكن أن يصل إليه الجهد الرسمي تجاه هذه الأوقاف هو ما عبرت عنه الفقرة التاسعة من المادة الخامسة من نظام الهيئة العامة للأوقاف بالمملكة العربية السعودية المتعلقة باختصاصات الهيئة، ونصها: "اتخاذ الإجراءات اللازمة للاستفادة من الأموال الموقوفة  الثابتة والمنقولة خارج المملكة على أوجه برٍ عامة داخل المملكة بالتنسيق مع وزارة الخارجية، وإنفاق إيراداتها على مصارفها".
وفي ضوء هذا النص النظامي المهم سيكون الحديث في المقال القادم بإذن الله عن الحلول الممكنة لإعادة الاستفادة من هذه الأوقاف، والله ولي التوفيق، وهو المستعان وعليه التكلان.
 
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
المراجع:
([1]) ينظر على سبيل المثال: أوقاف السلطان الأشرف شعبان على الحرمين لراشد القحطاني ص(89-135)، وأوقاف الحرمين الشريفين في العصر المملوكي لأحمد هاشم بدرشيني ص(111-159)، ومشاركة أهل الغرب الإسلامي في الوقف على الحرمين الشريفين لمحمد بن زين العابدين رستم، وهو بحث منشور ضمن أعمال المؤتمر الثالث للأوقاف بالجامعة الإسلامية بالمدينة المنورة عام 1430 (4/741-751)، والأوقاف على الحرمين الشريفين خارج المملكة العربية السعودية واقعها وكيفية الإفادة منها لعبدالله السدحان، وهو بحث منشور في مجلة الدارة العدد الرابع 1430هـ ص(193-208).
([2]) المواعظ والاعتبار للمقريزي (4/88)، وينظر: الأوقاف والحياة الاجتماعية في مصر لمحمد أمين ص(108).
([3]) الأوقاف في تركيا لسهيل صابان مجلة الفيصل العدد 332 ص(65).
([4]) الأوقاف والسياسة في مصر لإبراهيم البيومي غانم ص(189).
([5]) ينظر: التكوين التاريخي لوظيفة الوقف في المجتمع العربي لإبراهيم البيومي غانم ص(83و93)، والإطار التشريعي لنظام الوقف في بلدان المغرب العربي لجمعة الزريقي ص(145)، والبناء المؤسسي للوقف في بلدان الهلال الخصيب لياسر الحوراني ص(568)، وكل هذه الأبحاث منشورة ضمن أعمال ندوة نظام الوقف والمجتمع المدني في العالم العربي التي نظمها مركز دراسات الوحدة العربية والأمانة العامة للأوقاف بالكويت عام 2001م، ومؤسسة أوقاف الحرمين الشريفين بمدينة الجزائر العثمانية لناصر الدين سعيدوني، وهو بحث منشور في مجلة الخليج للتاريخ والآثار العدد الثالث 2007م ص(12)، وإضرار الاستعمار الفرنسي بموارد أوقاف الحرمين في تونس وردة فعل الحكومة السعودية للتليلي العجيلي، وهو بحث منشور ضمن أعمال مؤتمر الأوقاف الثالث بالجامعة الإسلامية بالمدينة المنورة عام 1430 (4/83).
([6]) ينظر: حركة تقنين أحكام الوقف في تاريخ مصر المعاصر لعلي عبدالفتاح جبريل ص(66-93)، والإطار التشريعي لنظام الوقف في بلدان المغرب العربي لجمعة الزريقي وهو بحث منشور ضمن أعمال ندوة نظام الوقف والمجتمع المدني في العالم العربي التي نظمها مركز دراسات الوحدة العربية والأمانة العامة للأوقاف بالكويت عام 2001م ص(142).
([7]) الدولة العثمانية في التاريخ الحديث لإسماعيل ياغي ص(231-232).
([8]) الإطار التشريعي للوقف في بلدان الهلال الخصيب لبرهان زريق، وهو بحث منشور ضمن أعمال ندوة نظام الوقف والمجتمع المدني في العالم العربي التي نظمها مركز دراسات الوحدة العربية والأمانة العامة للأوقاف بالكويت عام 2001م ص(238).
([9]) الأوقاف والسياسة في مصر لإبراهيم البيومي غانم ص(469).
([10]) الإطار التشريعي لنظام الوقف في بلدان المغرب العربي لجمعة الزريقي، وهو بحث منشور ضمن أعمال ندوة نظام الوقف والمجتمع المدني في العالم العربي التي نظمها مركز دراسات الوحدة العربية والأمانة العامة للأوقاف بالكويت عام 2001م ص(145).
([11]) ينظر: الأوقاف على الحرمين الشريفين خارج المملكة العربية السعودية واقعها وكيفية الإفادة منها لعبدالله السدحان، وهو بحث منشور في مجلة الدارة العدد الرابع 1430هـ ص(214-228)، والاندثار القسري للأوقاف (المظاهر – الأسباب – العلاج) لعبدالله السدحان، وهو بحث منشور ضمن أعمال المؤتمر الثالث للأوقاف بالجامعة الإسلامية بالمدينة المنورة عام 1430 (2/254-277).
([12]) ينظر: تاريخ الأوقاف في المملكة وسبل تطويرها لعبداللطيف الحميد ص(14).
([13]) جريدة أم القرى العدد (40) بتاريخ 14/3/1344هـ.
([14]) جريدة أم القرى العدد (488) بتاريخ 6/1/1353هـ.
([15]) جريدة أم القرى العدد (493) بتاريخ 11/2/1353هـ.
([16]) جريدة أم القرى العدد (95) بتاريخ 1/4/1345هـ.
([17]) الأوقاف والسياسة في مصر لإبراهيم البيومي غانم ص(189-190).
([18]) مما جاء في الإعلان ما نصه: "2- يشمل مبدأ عدم التدخل في الشئون الداخلية والخارجية للدول الحقوق والواجبات التالية: أولاً: .. (ب) حق الدولة السيادي غير القابل للتصرف في تقرير نظامها السياسي والاقتصادي والثقافي والاجتماعي بحرية، وفى تنمية علاقاتها الدولية وفى ممارسة سيادتها الدائمة على مواردها الطبيعية وفقاً لإرادة شعبها دون تدخل أو تداخل أو تخريب أو قسر أو تهديد من الخارج بأي شكل من الأشكال ... ثانياً: ... (س) واجب الدولة في الامتناع عن مزاولة أي نشاط اقتصادي أو سياسي أو عسكري في إقليم دولة أخرى دون موافقتها"، وينظر الإعلان كاملاً في الموقع الإلكتروني للأمم المتحدة على هذا الرابط:
http://www.un.org/arabic/documents/instruments/docs_subj_ar.asp?subj=24
7,يونيو 2016 الموافق 2,رمضان 1437 1976 مشاهدة

اترك تعليقك

التعليقات الواردة من القراء تعبر عن آرائهم فقط، دون تحمل أي مسؤولية من الموقع